أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
424
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الفعل لانقلاب الثانية ألفا في يحيا ويعيا ، فحمل الماضي عليه طردا للباب ، ولأن الحركة في الثاني عارضة لزوالها في نحو : حييت وبابه ، ولأنّ الحركتين مختلفتان ، واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين قالوا : ولذلك قالوا : لححت عينه وضبب المكان وألل السّقاء ومششت الدابة . قال سيبويه : « أخبرنا بهذه اللغة يونس » يعني بلغة الإظهار . قال : « وسمعت بعض العرب يقول : أحيياء وأحيية فيظهر » وإذا لم يدغم مع لزوم الحركة فمع عروضها أولى . ومن أدغم فلاستثقال ظهور الكسرة في حرف يجانسه ؛ ولأنّ حركة الثانية لازمة لأنها حركة بناء ، ولا يضرّ زوالها في نحو حييت ، كما لا يضرّ ذلك فيما يجب إدغامه من الصحيح نحو : حللت وظللت ؛ وهذا كلّه فيما كانت حركته حركة بناء ، ولذلك قيّد به بالماضي ، أمّا إذا كانت حركة إعراب فالإظهار فقط ، نحو : « لن يحيي ولن يعيي » . قوله : « عَنْ بَيِّنَةٍ » متعلق ب « يهلك » و « يَحْيى » . والهلاك والحياة عبارة عن الإيمان والكفر ، والمعنى : ليصدر كفر عن وضوح وبيان ، لا عن مخالجة شبهة ، وليصدر إسلام من أسلم عن وضوح ، لا عن مخالجة شبهة . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 43 إلى 48 ] إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 ) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 48 ) قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ . الناصب ل « إِذْ » يجوز أن يكون مضمرا ، أي : اذكر ، ويجوز أن يكون « عَلِيمٌ » ، وفيه بعد ، من حيث تقييد هذه الصفة بهذا الوقت . ويجوز أن تكون « إِذْ » هذه بدلا من « إِذْ » قبلها . والإراءة - هنا - : حلمية ، واختلف فيها النحاة : هل تتعدى في الأصل الواحد ، كالبصريّة ، أو لاثنين ، كالظنية ؟ فالجمهور على الأول . فإذا دخلت همزة النقل أكسبتها ثانيا ، أو ثالثا على حسب القولين ، فعلى الأول تكون الكاف مفعولا أول ، و « هم » مفعول ثان ، و « قَلِيلًا » حال . وعلى الثاني يكون : « قَلِيلًا » نصبا على المفعول الثالث ، وهذا يبطل بجواز حذف الثالث في هذا الباب اقتصارا - أي : من غير دليل - تقول : أراني اللّه زيدا في منامي ، ورأيته في النوم ، ولو كانت تتعدى لثلاثة لما حذف اقتصارا ، لأنه خبر في الأصل . قوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ . الإراءة - هنا - بصريّة . والإتيان هنا بصلة ميم الجمع واجب ، لاتصالها بضمير . ولا يجوز التسكين ، ولا الضم